الشيخ باقر شريف القرشي
195
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
وقد تعلقت جميع آماله وأمانيه به تعالى ، فقد اعتصم به ، وانقطع إليه ، ولنستمع إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء الجليل : « اللهم : وقد أشرف على خفايا الأعمال علمك ، وانكشف كل مستور دون خبرك ، ولا تنطوي عنك دقائق الأمور ، ولا تعزب عنك غيبات السرائر ، وقد استحوذ عليّ عدوك الذي استنظرك « 1 » لغوايتي واستمهلك إلى يوم الدين لإضلالي فأمهلته ، فأوقعني ، وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة ، وكبائر أعمال مردية ، حتى إذا فارقت معصيتك ، واستوجبت بسوء سعيي سخطتك ، فتل « 2 » عني عذار « 3 » غدره ، وتلقاني بكلمة كفره « 4 » وتولى البراءة مني ، وأدبر موليا فاصحرني « 5 » لغضبك فريدا ، وأخرجني إلى فناء نقمتك طريدا لا شفيع يشفع لي إليك ، ولا خفير « 6 » يؤمنني عليك ، ولا حصن يحجبني عنك ولا ملاذ ألجأ إليه منك ، فهذا مقام العائذ بك ، ومحل المعترف لك فلا يضيقن عني فضلك ، ولا يقصرن دوني عفوك ، ولا أكن أخيب عبادك التائبين ، ولا اقنط وفودك الآملين ، واغفر لي إنك خير الغافرين . . » . وتحدث الإمام عليه السلام في هذه الفقرات عن ضعف النفس البشرية أمام الشهوات وعدم استطاعتها لمقاومة الشيطان الرجيم الذي استخدم النزعات الشريرة الكائنة في نفس الإنسان من الطمع والحرص والكبرياء وغيرها ، وقد ملك زمامه واستولى على مشاعره وعواطفه ، فأخذ يسخره في ميادين الآثام والموبقات ، ويبعده عن كل طريق يقربه من اللّه زلفى ، ويطلب
--> ( 1 ) أشار عليه السلام إلى إبليس العدو للإنسان الذي طلب المهلة من اللّه لغواية الناس حيث قال كما في الآية : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * . ( 2 ) فتل : أي صرف عني . ( 3 ) العذار : لجام الفرس . ( 4 ) أشار الإمام ( ع ) بذلك إلى الآية الكريمة كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ . ( 5 ) اصحرني : أي اظهرني . ( 6 ) الخفير : المجير .